الشيخ محمد رشيد رضا

286

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بالنسبة إلى الشريعة العيسوية « * » ( 12 ) إن عيسى عليه السّلام قال : ليس ينطق من عنده ، بل يتكلم بكل ما يسمع ، وهذا يدل على أن الفارقليط يكون بحيث يكذبه بنو إسرائيل ، فاحتاج عيسى عليه السّلام أن يقرر حال صدقه فقال هذا القول ، ولا مجال لمظنة التكذيب في حق الروح النازل يوم الدار ، على أن هذا الروح عندهم عين اللّه ، فلا معنى لقوله : بل يتكلم بما يسمع ، فمصداقه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه كان في حقه مظنة التكذيب ، وليس هو عين اللّه ، وكان يتكلم بما يوحى اليه كما قال اللّه تعالى ( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) وقال ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ) * ( 13 ) ان عيسى عليه السّلام قال : انه يأخذ مما هو لي ، وهذا لا يصدق على الروح لأنه عند أهل التثليث قديم وغير مخلوق ، وقادر مطلق ، ليس له كمال منتظر ، بل كل كمال من كمالاته حاصل له بالفعل ، فلا بد أن يكون الموعود به من الجنس الذي يكون له كمال منتظر . ولما كان هذا الكلام موهما أن يكون هذا النبي متبعا لشريعته دفعه بقوله فيما بعد ( جميع ما للأب فهو لي فلأجل هذا قلت مما هو لي يأخذ ) يعني ان كل شيء يحصل للفارقليط من اللّه فكأنه يحصل مني - كما اشتهر : من كان للّه كان اللّه له - فلأجل هذا قلت : ان مما هو لي يأخذ وأما الثاني أعني الشبهات التي توردها علماء بروتستنت فخمسة ( الشبهة الأولى ) جاء في هذه العبارة تفسير الفارقليط بروح القدس ، وروح الحق ، وهما عبارتان عن الأقنوم الثالث ، فكيف يصح أن يراد بالفارقليط حمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ أقول في الجواب : ان صاحب ميزان الحق يدعي في تأليفاته كون ألفاظ روح اللّه ، وروح القدس ، وروح الحق ، وروح الصدق ، وروح فم اللّه ، بمعنى واحد . قال في الفصل الأول من الباب الثاني من مفتاح الاسرار في الصفحة 53

--> ( * ) الأظهر المختار عندنا ان أهل عصر عيسى عليه السّلام لم يكونوا يستطيعون حمل شريعة خاتم النبيين « ص » لفقد الاستعداد لها وهو استقلال الفكر والحكم والإرادة التي حباها اللّه تعالى للأمة العربية في زمن البعثة المحمدية